ابن الجوزي

103

صيد الخاطر

أما القرآن فمنقسم إلى قسمين : أحدهما بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي ، فمن ذلك قوله تعالى : « إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً » ، « وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ » ، « وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها » . وفي القرآن من هذا كثير . والقسم الثاني : ابتلاء المؤمن بما يلقى كقوله تعالى : « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ » ، « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا » ، « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ » . وفي القرآن من هذا كثير . وأما السنة فمنقسمة إلى قول وحال . أما الحال : فإنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يتقلب على رمال حصير تؤثر في جنبه ، فبكى عمر رضي اللّه عنه . وقال : كسرى وقيصر في الحرير والديباج ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم : « أفي شك أنت يا عمر ؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟ » ، وأما القول فكقوله عليه الصلاة والسلام : « لو أن الدنيا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » . وأما العقل : فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود ، منها أن يقول : قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة على حكمة المقدّر ، فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللا . ومنها أن يقول : ما قد استهولته أيها الناظر من بسط يد العاصي هي قبض في المعنى ، وما قد أثر عندك من قبض يد الطائع بسط في المعنى ، لأن ذلك البسط يوجب عقابا طويلا ، وهذا القبض يؤثر انبساطا في الأجر جزيلا ، فزمان الرجلين ينقضي عن قريب ، والمراحل تطوى ، والركبان في الحثيث . ومنها أن يقول : قد ثبت أن المؤمن باللّه كالأجير ، وأن زمن التكليف كبياض نهار ، ولا ينبغي للمستعمل في الطين أن يلبس نظيف الثياب ، بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل ، فإذا فرغ تنظّف ولبس أجود ثيابه . فمن ترفه وقت العمل ندم وقت تفريق الأجرة ، وعوقب على التواني فيما كلف ، فهذه النبذ تقوي أزر الصبر ، وأزيدها بسطا فأقول : أترى إذا أريد اتخاذ شهداء ، فكيف لا يخلق أقوام يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين ، أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة ؟